الرئيسية 80 مقالات وأراء 80 دول سقطت وأخرى تحتضر

دول سقطت وأخرى تحتضر

كل يوم تفقد الدولة جزءا من هيمنتها، قطعة من سلطتها، شيئا من تأثيرها، مساحة من سطوتها، على المجتمع وعلى الفرد. قبضة الدولة ترتخي كل ساعة على الاقتصاد والثقافة والإعلام والأنترنت وحركة البشر والرساميل والأفكار والصور والرموز ونظام القيم واتجاهات الرأي وسلوكيات الاقتراع… وكل هذا لأن الشركة تتقدم والدولة تتراجع، لأن العولمة تزحف والوطنية تنحسر، لأن الحدود تسقط والمعابر تفتح، لأن الفرد يزداد قوة والجماعة تزداد ضعفا. لو عاش كارل ماركس إلى اليوم لسقط مغشيا عليه وهو يرى أن الدولة التي تنبأ بنهايتها ودخولها إلى متحف التاريخ تتراجع، لكن لأسباب أخرى غير تلك التي نظر لها، أي أن الدولة تضعف ليس بسلاح الشيوعية بل بأسلحة الرأسمالية نفسها التي أطلقت للسوق العنان، وللشركة المبادرة، وللفرد الحرية، حتى أصبح الشعار هو: «دولة أقل وحرية أكبر». الدول الذكية تعرف هذه الحقيقة، وتتجه إلى أن تتصالح مع شعبها وعصرها، وتحاول أن تملأ الفراغ، وأن تتقن استعمال أدوات السلطة التي مازالت بيدها، والتي لا يستطيع المجتمع أن يدفع بها إلى القطاع الخاص (مثل الأمن والجيش والقضاء والدبلوماسية وسلطة الضبط la régulation، ومنها وضع دفاتر التحملات للشركات التي تدبر المرافق العامة، ومراقبة جودة الخدمات والمنتوجات، وحماية الأطراف الضعيفة في المجتمع، وتنظيم حركة السير على طريق اكتساب الثروة والجاه والتأثير)… أما الدول المتخلفة فتعاند الحقائق، وتستعمل ما بقي عندها من قوة تقليدية لفرض سطوتها على المجتمعات والأفراد، فتنتج مزيدا من سخط الناس، ومزيدا من قمع الأفراد، ومزيدا من التخلف والسلطوية. كل يوم تحفر الدول العربية والمغاربية والإفريقية خنادق شاسعة بينها وبين شعوبها عن طريق خلط السلطة بالثروة، والسياسة بالأمن، والانتخابات بالتزوير، والدعاية بالإعلام (انظروا كم دولة صارت فاشلة في العالم العربي وإفريقيا: الصومال والعراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان وجنوب السودان ومالي، وفي الطريق إلى إعلان الفشل هناك الجزائر ومصر وموريتانيا إذا لم تصلح هذه الدول من أحوالها). ليست فقط الأنظمة السلطوية هي التي تنهار في هذه البلدان، بل الدولة كلها تبددت، وأصبحت المليشيات والقبائل والعشائر والتنظيمات الإرهابية من يحكم الجغرافيا ومعها الاقتصاد الأسود، من تهريب البضائع، إلى غسل الأموال، إلى الاتجار في البشر، إلى زراعة المخدرات، إلى الاستثمار في عائدات القرصنة وخطف الأجانب وتلقي الفدية، والاتجار في السلاح. لم تعد الدول المتخلفة في إفريقيا والعالم العربي أمام خيارين تقليديين، الدمقرطة أو السلطوية، كما كان الأمر في السابق حيث كل نموذج يجد له حليفا في الشرق أو الغرب، أصبحت الدولة اليوم أمام خيارين مختلفين تماما، إما الدمقرطة أو الانهيار، إما تقوية شرعيتها السياسية أو الزوال، إما توسيع المشاركة وإقامة حد أدنى من المؤسسات، أو انفراط عقد الاجتماع البشري، وحلول الفوضى غير الخلاقة، وحرب الجميع ضد الجميع. منذ ربع قرن لاح نموذج فشل الدولة في الصومال ولم ينتبه إليه إلا القليلون، حيث اعتبر هذا البلد، العضو في جامعة الدول العربية، مجرد استثناء. الآن نحن أمام انهيار خمسة بلدان عربية وخمسة أخرى في الطريق للوصول إلى محطة الدولة الفاشلة (تصل الدولة إلى وضعية الفشل الكلي أو الجزئي عندما تفقد فيها السلطة حق احتكار استعمال أدوات العنف المشروع، ومراقبة الحدود، وتقديم حد أدنى من الخدمات للمواطنين، والعجز عن الاضطلاع بالمسؤوليات الدولية الملقاة على عاتقها). قبل أسابيع كان تنظيم داعش ليبيا يريد أن يقضم قطعة من الأرض التونسية في بنغردان لإقامة ولاية جديدة للبغدادي في بلاد الزيتون بواسطة استعمال السلاح، وتجنيد الخلايا السلفية الجهادية التي انتعشت مع ارتخاء مفاصل الدولة بعد ثورة الياسمين. كان هذا اختبارا لقوة الدولة التونسية، ومدى قدرتها على مراقبة حدودها، واحتكار استعمال السلاح فوق أرضها، لكن الاختبار الأقوى كان للشعب التونسي ولسكان بنغردان، فيما إذا كانوا مازالوا متشبثين بالدولة التونسية إلى اليوم، أم إنهم يئسوا منها بفعل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها مشاكل إعادة ترتيب أوضاع البيت الداخلي للنظام التونسي. هذا النموذج في الاختبارات ستتعرض له دول وشعوب أخرى مغاربية وعربية وشرق-أوسطية في الأشهر والسنوات المقبلة، سواء على يد داعش أو القاعدة أو غيرهما من التنظيمات المسلحة التي باتت جاهزة لأن تحل محل الدولة الفاشلة، وهذه التنظيمات تتغذى على ضعف الشرعية السياسية في الدولة العربية، وندرة شرعية الإنجاز فيها، ووفرة الأزمات داخلها، وقنوط ويئس الناس من الأمل في الغد، والجميع يردد شعار: «الطبيعة تخشى الفراغ».

 

‎توفيق بوعشرين مدير نشر اخبار اليوم

عن انزي بريس

Check Also

الدراسات الأمازيغية وسوق الشغل

بقلم: ذ لحسن أمقران بعد قرابة عقد من الزمن على إدراج الدراسات الأمازيغية ضمن التخصصات …

تنظيم “داعش”.. آليات التجنيد واصطياد المتطرفين وتحويلهم إلى إرهابيين‎

إبراهيم الصافي تعتمد التنظيمات الإرهابية آليات متعددة للتسلل إلى قلب المجتمع واصطياد متطرفين مفترضين، فالإرهاب …

بعض الأحزاب سبب الخراب

من طنجة : مصطفى منيغ / MUSTAPHA MOUNIRH بهم تَمَيَّعَ الحقلُ الحزبي السياسي ، ومعهم …

الفساد بين الفهم والمفهوم بقلم محمد مولود مازغ

بقلم : محمد مولود مازغ الفساد بين الفهم والمفهوم لكي نضع العقل على الطريق الصحيح …

أبهذا البرلمان نصل لضفة الأمان ؟؟؟ 9 من 10‎

من الرباط : مصطفى منيغ لو قطعوا افريقيا شبراً شبراً مشياً على الأقدام ، ما …

تشخيص وتشريح دقيق للواقع الانتخابي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية‎

تكويني في الرياضيات والإحصائيات يدفعني مرارا إلى البحث في الأرقام وخاصة في التفاصيل الصغيرة ولكن …

عبد الحق الـريـكـي يكتب : الواقع العنيد…‎

كَثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي المغربي، عوض الاقتصار …

لكي يصبح الهلال بدرا…‎

حدثني صديقي أحمد، قائلا: “في زمن الفعل النضالي الطلابي، من سبعينيات القرن الماضي، كنا نناقش …

أبهذا البرلمان نصل لضفة الأمان ؟؟؟. 6

الحرية أن تأخذَ ما تستحق وتتركَ ما يستحقه الآخر ، أن تكتفي بعشق الأحمر والأخضر …

المريزق يكتب: المغرب في حاجة إلى أبنائه اليساريين والديمقراطيين‎

المصطفى المريزق بالرغم من انخراط عشرات الجمعيات الحقوقية ومئات الضحايا وعائلاتهم في مسلسل المصالحة وجبر …

أبهذا البرلمان نصل ضفة الأمان ؟؟؟. 3

من الرباط : مصطفى منيغ المَبْنِي على الباطل سياسياً وفي مغربهم بالذات ، يُوَلِّد النجاح …

عبدالحق الريكي يكتب… أفكار سريعة حول البلوكاج…‎

عبدالحق الريكي.‎ الفكرة الأولى كان السيناريو المعد سلفا هو فوز الأصالة والمعاصرة في السابع من …

أبهذا البرلمان نصل بر الأمان ؟؟؟ (2 من 10)

من الرباط : مصطفى منيغ كالشَّفَقِ يُصارعُ بما تَبَقَّى مِنْ ضِيائِه الأُرْجُوَانِي ظلاماً زاحفاً بديمقراطيته …

المريزق يكتب: نحو تقييم نقدي‎

أزيد من مئة سنة على رحيل ماكس فيبر، وما زال تراثه السوسيولوجي والسياسي حي يرزق …

أبهذا البرلمان نصل برّ الأمان

للمغرب في قلبي مكانة أكبر منها حبي لله خالقي، الجنسية والانتماء والإقامة والبطاقة الوطنية وجواز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *