الرئيسية 80 مقالات وأراء 80 أطماع السلطان

أطماع السلطان

عندما يركب اثنان الحصان نفسه فلا بد لواحد منهما أن يرجع إلى الخلف.. هذا هو حال الرئيس أردوغان ورئيس الوزراء أوغلو، حيث انتهى الصراع بينهما على من يقود تركيا إلى نزول الثاني من الحصان، وبقاء السلطان وحيدا يغني على ظهر تركيا. لم يعد سرا أن رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، على خلاف كبير مع رئيس الدولة وزعيم الحزب الروحي، رجب طيب أردوغان.. الأول يريد أن يتصرف كرئيس حكومة، أعطاه الدستور صلاحيات أن يكون قائد السياسات المتبعة في الدولة، والثاني يريد أن يتصرف وكأنه في نظام رئاسي وليس برلمانيا، ويعتبر أن انتخابه مباشرة من الشعب، على خلاف الرؤساء الآخرين الذين كان ينتخبهم البرلمان، معناه أنه زعيم البلاد الأوحد، وأن الآخرين يجب أن يتصرفوا كمعاونين له وليسوا شركاء. قبل خمسة أيام، قال أردوغان، في خطاب علني أمام منتخبي الحزب: «أي مسؤول يجب أن يعلم جيدا أنه جاء ليكون خادما للشعب، والأهم من ذلك أن يعلم جيدا كيف جاء إلى هذا المنصب»، في إشارة لا تخطئها الأذن إلى الطريقة التي جاء بها أوغلو إلى رئاسة الحزب وإلى رئاسة الحكومة، حيث كان لأردوغان الفضل الكبير على أوغلو الذي قفز إلى الأمام متخطيا قيادات كثيرة في الحزب، لكن هذا الأخير لم يكن يتصور أنه سيصير تابعا للسلطان أردوغان.. وأنه سيصبح مطالبا بتوقيع شهادة وفاة صلاحيات رئيس الحكومة، وتفويتها إلى رئيس الدولة بعد تعديلات دستورية ستغير شكل النظام في تركيا من برلماني إلى رئاسي. أكثر من هذا، لما بدأ الخلاف يدب بين رئيس الحكومة ورئيس الدولة، عمد أردوغان إلى استعمال سلاح خطير مع أوغلو تمثل في اللجنة المركزية لحزب العدالة والتنمية، التي يملك فيها أردوغان أصواتا كثيرة مازالت موالية له، رغم أن دستور البلاد يمنع على الرئيس الانتماء الحزبي، ويفرض عليه البقاء على المسافة نفسها إزاء كل الأحزاب.. حرك الزعيم كتيبة اللجنة المركزية التي بدأت تقلق راحة رئيس الحزب، وتطالب بتقليص صلاحياته في اختيار المسؤولين، وفي اتخاذ قرارات مهمة في سياسة الدولة دون الرجوع إليها. رد أوغلو لم يتأخر، وهو يعرف أن ميزان القوى ليس في صالحه، وأن أردوغان، الذي جاء به إلى قيادة الحزب، يستطيع أن يقيله، أو أن يجعل حياته فوق كرسي الحكم قطعة من الجحيم. بعد 24 ساعة على كلام أردوغان الذي قطر الشمع على رفيقه السابق خرج هذا الأخير يقول: «أنا لا أخشى سوى الله، ولا أخشى ما يكتب ويقال عني، وأنا مستعد للتخلي عن أي منصب، وأن أضحي بنفسي من أجل بقاء حزب العدالة والتنمية متماسكا وموحدا». في الـ22 من هذا الشهر، سيعقد حزب المصباح التركي مؤتمرا استثنائيا، وسيغادر أوغلو السفينة، وسيضع أردوغان مكانه رئيس حزب وحكومة جديدا سيقبل بإملاءات السلطان، الذي يريد أن يقود البلاد لوحده لأنه يتصور أن الشعب مازال معه، والبلاد تحتاج إليه، والأخطار تحدق بتجربته، وأنه وحده من يستطيع مواجهة الشرق والغرب دفاعا عن عودة أمجاد الباب العالي. كاتب هذه السطور يتابع تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا منذ سنوات، والتقى كصحافي جل قيادات الدولة والحزب في تركيا وخارجها، وقرأ وسمع، من المعنيين بالأمر ومن غيرهم، عن تصوراتهم وسياساتهم وقراراتهم حول النهوض بالدولة التركية ومحاربة الفقر وزيادة الدخل، وإطلاق أوراش كبيرة غيرت وجه البلاد، والأهم من هذا هو قيادة مصالحة تاريخية بين الإسلام السياسي والديمقراطية واقتصاد السوق، وهو، كما غيره، كان متحمسا لنجاح هذه التجربة لاعتبارين؛ أولا بأمل أن تصير نموذجا للنهوض من التخلف، وإخراج تركيا من الاستبداد وحكم العسكر، ووضعها على طريق تجربة انتقال ديمقراطي سلس ومتدرج يدخل دولة مسلمة إلى قائمة التجارب الناجحة في التحول الديمقراطي، مثل إسبانيا واليونان والبرتغال وجنوب إفريقيا، ومن جهة أخرى، كنت أرى في تجربة حزب العدالة والتنمية التركي نموذجا جديدا وعصريا لحزب إسلامي معتدل يقود نموذجا ناجحا على درب الديمقراطية والتنمية، وأن هذا النموذج، إن كتب له النجاح، فإنه قد يمارس سحره على آخرين، وقد يؤثر في عقلية الإسلاميين العرب والمغاربة، ويدفعهم إلى استلهام النموذج، ولو في خطوطه العريضة، باعتباره نموذجا يصالح بين الدين والحرية، بين الإسلام والديمقراطية، وأن الأفق المفتوح أمام الإسلاميين للحكم وللاندماج في أوطانهم ودولهم والعصر الذي يعيشونه، رهين بتحولهم من أحزاب أصولية إلى أحزاب محافظة، من حركات تخاف الحرية إلى حركات تخاف الاستبداد، وأن القلق على الإسلام يجب ألا يتحول إلى إقلاق للمسلمين. لكل هذه الاعتبارات أرى أن السلطان التركي يخطئ في حق بلده وحزبه وصورته في الداخل والخارج، وأن أردوغان لعبت برأسه خمر السلطة ومخدر الشعبية، وهو على طريق أن يحول تجربته الناجحة في تفكيك حكم العسكر والنهوض بأوضاع تركيا إلى نموذج سلطوي وشعبوي يخنق قيم الديمقراطية، ويطارد حرية الرأي والصحافة، ويرفض مبدأ التناوب، ولا يعرف كيف ينسحب في الوقت الملائم من السلطة بدعوى الخوف من الأعداء. كما وقفنا على نجاح أردوغان عندما حقق نسبة نمو تصل إلى ٪12‏، وكما نوهنا بحكومته عندما ضاعفت الدخل الفردي ثلاث مرات في ظرف 10 سنوات، نقول اليوم إن تركيا تحتاج إلى رئيس عادي، وليس إلى سلطان، وتحتاج إلى نظام ديمقراطي وليس إلى زعيم، وتحتاج إلى حزب قوي وليس إلى دراويش يرقصون على إيقاع شيخ الطريقة.. هناك عدة طرق لمقاومة إغراء السلطة، وأولاها أن تنسحب منها، أو أن تقبل اقتسامها، وأن ترضى بتداولها، غير هذا فهو الاستبداد، وهو داء قديم في جسم الأمة شفاها الله.

 

:توفيق بوعشرين

عن انزي بريس

Check Also

الدراسات الأمازيغية وسوق الشغل

بقلم: ذ لحسن أمقران بعد قرابة عقد من الزمن على إدراج الدراسات الأمازيغية ضمن التخصصات …

تنظيم “داعش”.. آليات التجنيد واصطياد المتطرفين وتحويلهم إلى إرهابيين‎

إبراهيم الصافي تعتمد التنظيمات الإرهابية آليات متعددة للتسلل إلى قلب المجتمع واصطياد متطرفين مفترضين، فالإرهاب …

بعض الأحزاب سبب الخراب

من طنجة : مصطفى منيغ / MUSTAPHA MOUNIRH بهم تَمَيَّعَ الحقلُ الحزبي السياسي ، ومعهم …

الفساد بين الفهم والمفهوم بقلم محمد مولود مازغ

بقلم : محمد مولود مازغ الفساد بين الفهم والمفهوم لكي نضع العقل على الطريق الصحيح …

أبهذا البرلمان نصل لضفة الأمان ؟؟؟ 9 من 10‎

من الرباط : مصطفى منيغ لو قطعوا افريقيا شبراً شبراً مشياً على الأقدام ، ما …

تشخيص وتشريح دقيق للواقع الانتخابي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية‎

تكويني في الرياضيات والإحصائيات يدفعني مرارا إلى البحث في الأرقام وخاصة في التفاصيل الصغيرة ولكن …

عبد الحق الـريـكـي يكتب : الواقع العنيد…‎

كَثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي المغربي، عوض الاقتصار …

لكي يصبح الهلال بدرا…‎

حدثني صديقي أحمد، قائلا: “في زمن الفعل النضالي الطلابي، من سبعينيات القرن الماضي، كنا نناقش …

أبهذا البرلمان نصل لضفة الأمان ؟؟؟. 6

الحرية أن تأخذَ ما تستحق وتتركَ ما يستحقه الآخر ، أن تكتفي بعشق الأحمر والأخضر …

المريزق يكتب: المغرب في حاجة إلى أبنائه اليساريين والديمقراطيين‎

المصطفى المريزق بالرغم من انخراط عشرات الجمعيات الحقوقية ومئات الضحايا وعائلاتهم في مسلسل المصالحة وجبر …

أبهذا البرلمان نصل ضفة الأمان ؟؟؟. 3

من الرباط : مصطفى منيغ المَبْنِي على الباطل سياسياً وفي مغربهم بالذات ، يُوَلِّد النجاح …

عبدالحق الريكي يكتب… أفكار سريعة حول البلوكاج…‎

عبدالحق الريكي.‎ الفكرة الأولى كان السيناريو المعد سلفا هو فوز الأصالة والمعاصرة في السابع من …

أبهذا البرلمان نصل بر الأمان ؟؟؟ (2 من 10)

من الرباط : مصطفى منيغ كالشَّفَقِ يُصارعُ بما تَبَقَّى مِنْ ضِيائِه الأُرْجُوَانِي ظلاماً زاحفاً بديمقراطيته …

المريزق يكتب: نحو تقييم نقدي‎

أزيد من مئة سنة على رحيل ماكس فيبر، وما زال تراثه السوسيولوجي والسياسي حي يرزق …

أبهذا البرلمان نصل برّ الأمان

للمغرب في قلبي مكانة أكبر منها حبي لله خالقي، الجنسية والانتماء والإقامة والبطاقة الوطنية وجواز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *