الرئيسية 80 مقالات وأراء 80 التمرين الديمقراطي والخصوصية المغربية

التمرين الديمقراطي والخصوصية المغربية

من منا لا يتذكر النشاط الأول العمومي الذي نظمه مركز دراسة حقوق الإنسان والديمقراطية؟
كان ذلك في يوليو 2006 حينما نظم ذات المركز ندوة تعتبر الأولى من نوعها خصصت لتقييم حصيلة تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة من زاوية نظر فاعلين متعددين: نشطاء حقوق الإنسان، جمعيات الضحايا، أحزاب سياسية، منظمات دولية رافقت التجربة اقتراحا وتقييما، بحضور نشطاء حقوقيين وباحثين ومعنيين بحقوق الإنسان.
واعتبرت هذه الدينامية المغربية في وقتها، دينامية متميزة على صعيد شمال إفريقيا والعالم العربي، وتجربة حبلى برسالة حضارية وأمانة تاريخية على عاتق الطليعة المدنية والقوى الديمقراطية المستنيرة كلها.
أما في المجال الثقافي فالمهام كانت جسيمة أيضا، وتمثلت في الدعوة إلى المصالحة والتسامح والحكامة الأمنية والتربية على حقوق الإنسان، والإنصاف وجبر الضرر الفردي والجماعي، واحترام التعددية الثقافية وإقرار حقوق النساء والشباب، ومعالجة تاريخ الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب، وحفظ الذاكرة، والإجابة على انتظارات وتطلعات الشعب المغربي، والآمال التي ولدتها صيرورة العهد الجديد.
لقد مرت 10 سنوات على هذا الزمن الحقوقي، ولازالت بلادنا تترنح أمام نقد آليات الواقع الاجتماعي والثقافي التي لازالت تجرنا للتأخر والتعبية، رغم المعركة الوجودية التي توجت بتقديم تقاريرها إلى ملك البلاد، في حفل كبير بالقصر الملكي حضره أعضاء الهيئة، والحكومة والبرلمان ومنظمات حقوق الإنسان وممثلي الأحزاب السياسية.
واليوم أمام ما نعيشه من انفصام في صيرورتنا ومحاولة لدهس انفتاحنا وانتقالنا إلى زمن العالم بأدواره المعرفية المطلوبة ومستجدات أنظمته العصرية، وأفكاره النقدية البديلة والبعيدة عن الأوهام والاستيهامات التي يفرزها دعاة التسلطية والارتدادية النكوصية، وأمام محاولة مسح ذاكرة الصيرورة الحقوقية المغربية، وربحا لهذه المسافة الزمنية الفاصلة، لا بد من استنهاض القوى الديمقراطية الحداثية المؤمنة بالتغيير، والتشبث أكثر من أي وقت مضى بما أثمرته تجربة الانتقال الديمقراطي من آراء وتقييمات وتجربة ومواقف وتوجهات وتساؤلات، للحفاظ على المكتسبات ومواصلة نهج الإنصاف والمصالحة وتفعيل كل توصياتها في كل مجالات السياسة العمومية، والمؤسسات المعنية.
إن بلادنا لم تعد في حاجة إلى هدر أي زمن من زمنها السياسي، بلادنا في حاجة ماسة لنبراس ينير لها آفاق التطور والتحرر ويفتح لجماهيرها باب الأمل في لياليها الحالكة. نعم إن الوضع السياسي المغربي في حاجة إلى العديد من التمارين الديمقراطية، لكن من دون أي توظيف للدين وللمشترك الجمعي للمغاربة، و من دون إهدار للطاقات ومضايقة الحوار العقلاني الهادئ والبناء، واعتقال حرية التفكير والابتداع والتعبير.
صحيح أن المواطن المغربي هو من يؤدي فاتورة السياسيين وأحزابهم، وأن إي انحباس لن يؤدي سوى إلى مخاطر ذات تكاليف باهظة وإلى التخلي عن دور الأحزاب السياسية ورسالتها الحضارية، بل سيكون المغرب أمام خطر الاستتباع الذي يهدم مناخ الحرية واستقلالية القرار الوطني، من دون انبطاح أو استقواء بأي كان.
إن إعلان رئيس الحكومة المعين عن وقف المفاوضات مع زعماء الأحزاب، هو فرصة للعودة لكل التوصيات المتعلقة بالإصلاحات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية التي لازالت محط جدل حول آليات تنفيذها وتنزيلها في الوطن والجهات من أجل أغناء وبلورة التجربة الديمقراطية المغربية من دون القفز على فلسفة مواصلة الإصلاح بما يضمن للجميع حماية الخصوصية المغربية التي انطلقت مع حكومة الزعيم الاشتراكي المغربي عبد الرحيم بوعبيد التي فتحت ورش مسار الانتقال الديمقراطي على قاعدة حقوق الإنسان والديقراطية فكرا وقيما وممارسة، استجابة لضرورة تاريخية ضحى من أجلها الشعب المغربي وقدم في معاركها الغالي والنفيس.
إن المطلوب في هذه اللحظة المفصلية من تاريخنا، هو التفاعل الايجابي لكل القوى الديمقراطية المؤمنة بالإصلاح والتغيير والتقدم مع ما ينتظره شباب بلادنا، باعتبارهم قوة الغد وذخيرة المستقبل، وضامن كل الاستراتيجيات الوطنية الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
لقد كشف المغرب في العديد من المحطات التاريخية عن قدرات وطنية خلاقة، بفضل كفاءاته الوطنية التي عملت على تصليب الخط الوطني وإرساء مبدأ الإنصاف والمصالحة، وضمان التغيير المؤسساتي حفاظا على وحدة الوطن.
واليوم ما أحوجنا لكل هذه الكفاءات من أجل إنجاح التمرين الديمقراطي والحفاظ على الخصوصية المغربية.

المريزق المصطفى

عن انزي بريس

Check Also

الدراسات الأمازيغية وسوق الشغل

بقلم: ذ لحسن أمقران بعد قرابة عقد من الزمن على إدراج الدراسات الأمازيغية ضمن التخصصات …

تنظيم “داعش”.. آليات التجنيد واصطياد المتطرفين وتحويلهم إلى إرهابيين‎

إبراهيم الصافي تعتمد التنظيمات الإرهابية آليات متعددة للتسلل إلى قلب المجتمع واصطياد متطرفين مفترضين، فالإرهاب …

بعض الأحزاب سبب الخراب

من طنجة : مصطفى منيغ / MUSTAPHA MOUNIRH بهم تَمَيَّعَ الحقلُ الحزبي السياسي ، ومعهم …

الفساد بين الفهم والمفهوم بقلم محمد مولود مازغ

بقلم : محمد مولود مازغ الفساد بين الفهم والمفهوم لكي نضع العقل على الطريق الصحيح …

أبهذا البرلمان نصل لضفة الأمان ؟؟؟ 9 من 10‎

من الرباط : مصطفى منيغ لو قطعوا افريقيا شبراً شبراً مشياً على الأقدام ، ما …

تشخيص وتشريح دقيق للواقع الانتخابي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية‎

تكويني في الرياضيات والإحصائيات يدفعني مرارا إلى البحث في الأرقام وخاصة في التفاصيل الصغيرة ولكن …

عبد الحق الـريـكـي يكتب : الواقع العنيد…‎

كَثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي المغربي، عوض الاقتصار …

لكي يصبح الهلال بدرا…‎

حدثني صديقي أحمد، قائلا: “في زمن الفعل النضالي الطلابي، من سبعينيات القرن الماضي، كنا نناقش …

أبهذا البرلمان نصل لضفة الأمان ؟؟؟. 6

الحرية أن تأخذَ ما تستحق وتتركَ ما يستحقه الآخر ، أن تكتفي بعشق الأحمر والأخضر …

المريزق يكتب: المغرب في حاجة إلى أبنائه اليساريين والديمقراطيين‎

المصطفى المريزق بالرغم من انخراط عشرات الجمعيات الحقوقية ومئات الضحايا وعائلاتهم في مسلسل المصالحة وجبر …

أبهذا البرلمان نصل ضفة الأمان ؟؟؟. 3

من الرباط : مصطفى منيغ المَبْنِي على الباطل سياسياً وفي مغربهم بالذات ، يُوَلِّد النجاح …

عبدالحق الريكي يكتب… أفكار سريعة حول البلوكاج…‎

عبدالحق الريكي.‎ الفكرة الأولى كان السيناريو المعد سلفا هو فوز الأصالة والمعاصرة في السابع من …

أبهذا البرلمان نصل بر الأمان ؟؟؟ (2 من 10)

من الرباط : مصطفى منيغ كالشَّفَقِ يُصارعُ بما تَبَقَّى مِنْ ضِيائِه الأُرْجُوَانِي ظلاماً زاحفاً بديمقراطيته …

المريزق يكتب: نحو تقييم نقدي‎

أزيد من مئة سنة على رحيل ماكس فيبر، وما زال تراثه السوسيولوجي والسياسي حي يرزق …

أبهذا البرلمان نصل برّ الأمان

للمغرب في قلبي مكانة أكبر منها حبي لله خالقي، الجنسية والانتماء والإقامة والبطاقة الوطنية وجواز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *