الرئيسية 80 مقالات وأراء 80 المريزق يكتب: المغرب في حاجة إلى أبنائه اليساريين والديمقراطيين‎

المريزق يكتب: المغرب في حاجة إلى أبنائه اليساريين والديمقراطيين‎

المصطفى المريزق
بالرغم من انخراط عشرات الجمعيات الحقوقية ومئات الضحايا وعائلاتهم في مسلسل المصالحة وجبر الضرر، فإن شكا كبيرا ما زال باقيا على أرض الواقع حول تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وحول آليات حفظ الذاكرة، والاستفادة من دروس وعبر ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتعليمها للأجيال الصاعدة لكي لا يتكرر ما حصل من عنف وقمع واضطراب.

ومن الواضح أن خلق جيل جديد من الحقوقيين انطلاقا من مختلف التجارب ليس بالأمر السهل. لقد كان المناضل الحقوقي المرحوم إدريس بنزكري، مهندس الإنصاف والمصالحة، نفسه ملما بالضعف الكامن في ذلك النمو السريع والإنتاج الجماعي لأعضاء الهيئة.

واليوم تظهر التجربة ضرورة بناء جبهة حقوقية قوية، تمتلك خطا حقوقيا صحيحا، منخرطة بفعالية في العمل المدني، ولها الجرأة في قيادة النضال الحقوقي من أجل تحقيق أهداف واضحة، تصون المكتسبات أولا، وتسهم في تعزيز آليات البناء الديمقراطي الحداثي ثانيا، وثالثا تعمل على ترسيخ الحقوق والحريات وإقرار قيم العدالة والمساواة.

لقد سجّل الجميع تقدم مهم على امتداد العقد الأخير في مجال حقوق الإنسان والحريات مقارنة مع الماضي، بعدما كان الوطن يتجه نحو أزمة حقيقية بسبب ضغوطات لوبيات الظلامية والتجزئة السياسية، التي كانت تحن للاستبداد عبر تمرير سياساتها الشوفينية والأصولية باللجوء إلى العنف، وتكسير مفاصل النسيج الاجتماعي وتمزيق الوحدة الوطنية.

وبسبب الدعم الفعال للحوار الوطني الحقوقي، من قبل القوى التقدمية والديمقراطية، الساعي إلى اتباع سياسة مبنية على إمكانية الانتقال السلمي إلى دولة الحق والقانون من أجل إحباط مخطط الرجعية وحليفتها الأصولية المحرضة على العنف والاستئصال، ظهرت الحاجة إلى الاهتمام بالمسألة الاجتماعية من خلال علاقة ارتباط حتمية بين النضال الحقوقي وبين الفعل السياسي، لوقف نمو البؤس والفساد والاستبعاد الاجتماعي، وتجاوز الفوضى الاقتصادية وفضح اقتصاد الريع وما ينتج عنه من رشوة وزبونية ومحسوبية.

وما من شك في أن الظروف التي تمر منها بلادنا اليوم لا يجب أن تزرع فينا الإحباط والاكتئاب والفشل، بل يجب أن تقوي عزمنا لكي لا نرضخ لأي تراجع عن القيم الإيجابية التي أزهرتها مشاتل اليسار الثقافي والجمعوي والفني والنقابي والسياسي، ليس فقط لأن فرسان هذه القيم قد غابوا عنا، أو دهستهم ماكينات سنوات الجمر والرصاص؛ بل لأن الأحلام الوطنية لا يمكن أن تنهار، ولا يمكن السماح لأي كان للعبث بها مهما كانت قوته.

لقد تابع الرأي العام الوطني الحقوقي والسياسي، في الأسبوع الماضي، بقلق شديد مرور أحد رموز العنف السياسي بالجامعة المغربية ضمن برنامج تلفزيوني، خصص لتقييم تجربة الإنصاف والمصالحة؛ وهو ما جعل العديد من الأصوات تعلو منددة بالتطاول على جزء عظيم من تاريخ حركة التحرر الوطني في المغرب. ولعل مثل هذا الحدث يجعل أجيالا بكاملها تفقد الثقة، وتعتبر ما حدث لجوءا إلى الترويج للإرهاب والتطبيع مع متهمين كانوا طرفا في ممارسة العنف الفكري والسياسي والجسدي المفضي إلى الموت، مثلما حصل للطالب اليساري أيت الجيد محمد بنعيسى الذي قتل مغدورا في بداية التسعينيات بالقرب من جامعة ظهر المهراز بفاس.

لقد كان النضال من أجل المساواة والديمقراطية هو الفكرة المحركة للمشهد السياسي المتردي لمغرب ما بعد الاستقلال، الذي أفضى في العديد من المحطات إلى مأساة حقيقية. ومنذ وقت مبكر، دعت العديد من الأصوات اليسارية والتقدمية إلى تحقيق الوطن المغربي على قاعدة الاقتصاد الصناعي، العقل والحرية.

ولعل ما نتلقاه اليوم من تغطية إعلامية للأخبار الخارجية، وما نلتقطه من تغطية تلقي الضوء على أهم ما يحدث في العالم من تغيرات جذرية، يرى العديد من المتخصصين أنها مقدمة للإعلان عن عالم جديد حيال ما يحدث في بلاد العم سام، وما يقع في إنجلترا وألمانيا وفرنسا، إلخ. وهذا ما يجعلنا اليوم نختار بين الإذلال وبين الكبرياء، وبين اليأس وبين الأمل، وبين العنف وبين الأمن المتجدد في صورة السلم والسلام.

وكما تظهر استطلاعات الرأي والدراسات، فإن العائلة اليسارية المغربية الديمقراطية والحداثية محكوم عليها بممارسة ذكائها ووقف كل الحروب الجانبية والهامشية، والتسلح بنظرة مستقبلية – استشرافية، وإطلاق برنامج استعجالي لتشجيع إجراء مناقشات عامة واسعة ومتنورة حول السياسة، وخلق مبادرات تثقيفية في وسائل الإعلام العديدة، وإثارة الجدل في شبكات التواصل الاجتماعي حول البدائل السياسية للتيارات اليسارية والديمقراطية الحداثية، من أجل الوحدة والتركيز على قوة الحوار.

لقد أظهرت النتائج الانتخابية البرلمانية الأخيرة أن المغرب في حاجة إلى يساره وإلى كل أبنائه الديمقراطيين التقدميين، بكل ألوانهم وأشكالهم.

إن الجماهير المغربية لا تستطيع الصبر على ما لحقها من أذى اجتماعي، وهي في حاجة اليوم إلى قطب سياسي حداثي متنور، لقيادة البلاد نحو طريق جديد، على ضوء ما يحدث في العالم من تغيرات راديكالية تنذر بالخطر.

عن انزي بريس

Check Also

الدراسات الأمازيغية وسوق الشغل

بقلم: ذ لحسن أمقران بعد قرابة عقد من الزمن على إدراج الدراسات الأمازيغية ضمن التخصصات …

تنظيم “داعش”.. آليات التجنيد واصطياد المتطرفين وتحويلهم إلى إرهابيين‎

إبراهيم الصافي تعتمد التنظيمات الإرهابية آليات متعددة للتسلل إلى قلب المجتمع واصطياد متطرفين مفترضين، فالإرهاب …

بعض الأحزاب سبب الخراب

من طنجة : مصطفى منيغ / MUSTAPHA MOUNIRH بهم تَمَيَّعَ الحقلُ الحزبي السياسي ، ومعهم …

الفساد بين الفهم والمفهوم بقلم محمد مولود مازغ

بقلم : محمد مولود مازغ الفساد بين الفهم والمفهوم لكي نضع العقل على الطريق الصحيح …

أبهذا البرلمان نصل لضفة الأمان ؟؟؟ 9 من 10‎

من الرباط : مصطفى منيغ لو قطعوا افريقيا شبراً شبراً مشياً على الأقدام ، ما …

تشخيص وتشريح دقيق للواقع الانتخابي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية‎

تكويني في الرياضيات والإحصائيات يدفعني مرارا إلى البحث في الأرقام وخاصة في التفاصيل الصغيرة ولكن …

عبد الحق الـريـكـي يكتب : الواقع العنيد…‎

كَثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي المغربي، عوض الاقتصار …

لكي يصبح الهلال بدرا…‎

حدثني صديقي أحمد، قائلا: “في زمن الفعل النضالي الطلابي، من سبعينيات القرن الماضي، كنا نناقش …

أبهذا البرلمان نصل لضفة الأمان ؟؟؟. 6

الحرية أن تأخذَ ما تستحق وتتركَ ما يستحقه الآخر ، أن تكتفي بعشق الأحمر والأخضر …

أبهذا البرلمان نصل ضفة الأمان ؟؟؟. 3

من الرباط : مصطفى منيغ المَبْنِي على الباطل سياسياً وفي مغربهم بالذات ، يُوَلِّد النجاح …

عبدالحق الريكي يكتب… أفكار سريعة حول البلوكاج…‎

عبدالحق الريكي.‎ الفكرة الأولى كان السيناريو المعد سلفا هو فوز الأصالة والمعاصرة في السابع من …

أبهذا البرلمان نصل بر الأمان ؟؟؟ (2 من 10)

من الرباط : مصطفى منيغ كالشَّفَقِ يُصارعُ بما تَبَقَّى مِنْ ضِيائِه الأُرْجُوَانِي ظلاماً زاحفاً بديمقراطيته …

المريزق يكتب: نحو تقييم نقدي‎

أزيد من مئة سنة على رحيل ماكس فيبر، وما زال تراثه السوسيولوجي والسياسي حي يرزق …

أبهذا البرلمان نصل برّ الأمان

للمغرب في قلبي مكانة أكبر منها حبي لله خالقي، الجنسية والانتماء والإقامة والبطاقة الوطنية وجواز …

سرائر بلا ستائر

حتى وإن تشكَّلت هذه الحكومة التي تعرَّض المُكلَّف بتشكيلها لضغوط أدخلت كفاءته السياسية (من عدمها) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *